ما ورد في النهي


المشكل 375 وأما رفع المستلقي إحدى رجليه فلأن الغالب على العرب أن يكون على أحدهم الثوب الواحد فإذا فعل هذا بدت عورته فإن أمن هذا فلا كراهية انتهى.
وقال النووي في شرح صحيح مسلم 1477 قال العلماء أحاديث النهي عن الاستلقاء رافعا إحدى رجليه على الأخرى محمولة على حالة تظهر فيها العورة أو شيء منها.
وأما فعله صلى الله عليه وسلم فكان على وجه لا يظهر منها شيء. وهذا لابأس به ولا كراهة فيه على هذه الصفة .
وفي هذا الحديث جواز الاتكاء في المسجد والاستلقاء فيه . قال القاضي لعله صلى الله عليه وسلم فعل هذا لضرورة أو حاجة من تعب أو طلب راحة أو نحو ذلك .
قال وإلا فقد علم أن جلوسه صلى الله عليه وسلم في المجامع على خلاف هذا بل كان يجلس متربعا أو محتبيا وهو كان أكثر جلوسه أو القرفصاء أو مقعيا وشبهها من جلسات الوقار والتواضع .
الجمع بين ما ورد في النهي عن استلقاء المسلم على ظهره مع رفع إحدى الرجلين على الأخرى وفعل النبي عليه الصلاة السلام ذلك
قلت ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم فعله لبيان الجواز وأنكم إذا أردتم الاستلقاء فليكن هكذا وأن النهي الذي نهيتكم عن الاستلقاء ليس هو على الإطلاق بل المراد به من ينكشف شيء من عورته أو يقارب انكشافها انتهى.
وأما من لم ير إمكانية الجمع بينهما فقد لجأ إلى ترجيح أحد الحديثين بمرجح خارجي وهنا رجح بعض أهل العلم جواز الفعل لأنه ثبت أن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك وحكم على ما ثبت من نهيه صلى الله عليه وسلم بأنه منسوخ حتى مع عدم الوقوف على تاريخ كل منهما!
وممن قال بذلك الطحاوي وابن بطال وابن عبد البر رحمهم الله تعالى.
قال الطحاوي في شرح معاني الآثار 4279 احتمل أن يكون أحد الأمرين قد نسخ الآخر فلما وجدنا أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وهم الخلفاء الراشدون المهديون على قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمهم بأمره قد فعلوا ذلك بعده بحضرة أصحابه جميعا وفيهم الذي حدث بالحديث الأول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكراهة فلم ينكر ذلك أحد منهم ثم فعله عبد الله بن مسعود وابن عمر وأسامة بن زيد وأنس بن مالك رضي الله عنهم فلم ينكر عليهم منكر ثبت بذلك أن هذا هو ما عليه أهل العلم في هذين الخبرين المرفوعين وبطل بذلك ما خالفه لما ذكرنا وبينا انتهى .
الجمع بين ما ورد في النهي عن استلقاء المسلم على ظهره مع رفع إحدى الرجلين على الأخرى وفعل النبي عليه الصلاة السلام ذلك
وقال ابن عبد البر في التمهيد 9205 أردف هذا الحديث في موطئه
بما رواه عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك .
فكأنه ذهب إلى أن نهيه عن ذلك منسوخ بفعله واستدل على نسخه بعمل الخليفتين بعده وهما لا يجوز أن يخفى عليهما النسخ في ذلك وغيره من المنسوخ من سائر سننه عليه السلام .
ومن أوضح الدلائل على أن المتأخر من ذلك عمل الخلفاء والعلماء بما عملوا به فيه ولو لم يوجد على ذلك دليل يتبين الناسخ منه من المنسوخ لكان النظر يشهد لحديث مالك لأن الأمور أصلها الإپاحة حتى يثبت الحظر ولا يثبت حكم على مسلم إلا بدليل لا معارض له انتهى.
والراجح في ذلك هو ما قال به الجمهور وهو الجمع بين القول والفعل بأن يحمل النهي على حال تكشف فيه العورة ويكون فعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز .
أما القول بالنسخ فلا يصح المصير إليه بأمر محتمل وحيث جهلنا التاريخ فلم نعرف المتقدم من المتأخر وهذا ما رجحه الحافظ ابن حجر رحمه الله .
قال ابن حجر في فتح الباري 1563 قوله واضعا إحدى رجليه على الأخرى قال الخطابي فيه أن النهي الوارد عن ذلك منسوخ .
الجمع بين ما ورد في النهي عن استلقاء المسلم على ظهره مع رفع إحدى الرجلين على الأخرى وفعل النبي عليه الصلاة السلام ذلك
أو يحمل النهي حيث يخشى أن تبدو العورة والجواز حيث يؤمن ذلك .
قلت الثاني أولى من ادعاء النسخ لأنه لا يثبت بالاحتمال وممن جزم به البيهقي والبغوي وغيرهما من المحدثين .
وجزم ابن بطال ومن تبعه بأنه منسوخ .
وقال المازري إنما بوب على ذلك لأنه وقع في كتاب أبي داود وغيره لا في الكتب الصحاح النهي عن أن يضع إحدى رجليه على الأخرى.
لكنه عام لأنه قول يتناول الجميع واستلقاؤه في المسجد فعل قد يدعى قصره عليه فلا يؤخذ منه الجواز .
لكن لما صح أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك دل على أنه ليس خاصا به صلى الله عليه وسلم بل هو جائز مطلقا .
فإذا تقرر هذا صار بين الحديثين تعارض فيجمع بينهما .
فذكر نحو ما ذكره الطابي .عن حديث النهي ليس في الكتب الصحاح إغفال فإن الحديث عند مسلم في اللباس من حديث جابر .
وفي قوله فلا يؤخذ منه الجواز نظر لأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال .
والظاهر أن فعله صلى الله عليه وسلم كان لبيان الجواز . وكان ذلك في وقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس لما عرف من عادته من الجلوس بينهم بالوقار التام صلى الله عليه وسلم . انتهى
وبهذا يظهر وجه الجمع بين نهيه صلى الله عليه وسلم وفعله .
والله أعلم .