قالت حماتي: من عنده ولد سيبقى… وبعد سبعة أشهر حصل ما لم يتوقعه أحد!


يملأ الغرفة دفئا. قلت لنفسي ما أريده من الدنيا بسيط جدا... راحة بال وبيت صغير وضحكة بنتي.
لكن القدر لم ينته بعد من مفاجآته. بعد عام تقريبا تلقيت اتصالا من مكتب البريد في المدينة قالوا إن هناك طردا باسمي من مانيلا. ذهبت في اليوم التالي لاستلامه. كان صندوقا صغيرا مغلفا بعناية. فتحته فوجدت بداخله ظرفا ورسالة قصيرة بخط مألوف
ماريا إن كنت تقرئين هذا فاعلمي أنني رحلت. أمي ټوفيت وحياتي القديمة انتهت. لم أكتب لأطلب الغفران بل لأشكرك

لأنك كنت النور الوحيد في فوضى أيامي. ماركو.
تحت الرسالة وجدت عقدا من الفضة عليه اسم ابنتي أليسا. أغمضت عيني وبكيت. لم يكن البكاء حزنا بل شعورا بالتحرر من كل ما مضى.
في المساء وضعت العقد حول عنق أليسا وهي تضحك دون أن تعرف قصته. نظرت إليها وقلت في سري ليست كل النهايات حزينة بعضها يكون خلاصا بطيئا وجميلا.
ومنذ ذلك اليوم لم أسمع عن ماركو شيئا. ربما سافر وربما اختفى لكني كنت واثقة أن كل إنسان يزرع شيئا في هذه الحياة سيحصد نتيجته في النهاية بصمت وهدوء.
كبرت أليسا وصارت تشبهني أكثر كل يوم. عيناها نفس اللون لكن فيهما بريق مختلف يجعلني أشعر أن الله عوضني بها عن كل ما فقدت. أحيانا كانت تسألني عن أبيها فأجلس بجانبها وأقول في ناس يا حبيبتي بيدخلوا حياتنا عشان يعلمونا دروسا مش عشان يبقوا فيها. فكانت تبتسم وتقول بس أنا عندي ماما

وكده كفاية. كنت أضحك وأضمها إلى صدري وأشكر الله في قلبي ألف مرة على هذه النعمة الصغيرة التي جعلتني أرى الحياة من جديد.
تعلمت في رحلتي أن الألم لا يزول لكنه يتغير ويتحول إلى حكمة وهدوء. تعلمت أن الغفران لا يعني النسيان بل الحرية. وأن أعظم قرار تتخذه امرأة في حياتها هو أن تختار نفسها حين يطلب منها أن تتخلى عنها.
وفي آخر ليلة من ذلك العام جلست بجانب سرير أليسا أراقبها وهي نائمة وقلبي يمتلئ بالسکينة. خارج النافذة كان المطر ينهمر بخفة والريح تداعب ستائر الغرفة. قلت في نفسي ربما العالم قاس أحيانا لكن الله لا يخذل من ينهض بعد السقوط. ابتسمت وأغلقت الضوء وتركت الغرفة ټغرق في صمت دافئ. لم أكن أعلم ما ينتظرنا في الغد لكني كنت أعلم شيئا واحدا مؤكدا أنني لم أعد تلك المرأة التي بكت يوما بجوار النافذة بل أصبحت المرأة التي بنت لنفسها
بيتا من سلام.