زوجي الفقير بقلم اسما السيد


طفلها الذي بدأ يبكي في الغرفة كأن صوته يقطع قلبها نصفين. شعرت أن العالم يضغط عليها من كل جانب.
رفعت عينيها نحو عادل فوجدته يراقبها في صمت دون استعجال دون ضغط.
قال بهدوء
القرار قرارك لو مش مرتاحة أرفضيني. ربنا شاهد إني مش هزعل ولا هحقد. بس لو قبلتي هعمل اللي أقدر عليه عشان ما تندميش.
لم تكن تملك ترف الرفض. همست
موافقة.
تم عقد القران في اليوم نفسه تقريبا في حضور شيخ مهموم وشاهدين أحدهما جار زوجة الأب والآخر ابن عمها الذي لا يكف عن التحديق فيها پشهوة مكتومة.
لم يكن هناك فستان أبيض ولا زغاريد فقط ورقة زواج وابتسامة مزيفة على وجه زوجة الأب وكوب شاي مر المذاق.
في المساء حملت ليلى حقيبة صغيرة فيها بعض ثيابها وثياب طفلها وخرجت مع عادل من البيت الذي عاشت فيه سنوات من عمرها لكنه لم يكن يوما بيتا حقيقيا.
سرى في قلبها شعور غريب خليط من الخۏف والراحة. الخۏف من المجهول والراحة من انتهاء معاناة لم تجلب لها سوى الإهانة.
سارا في طريق ترابي طويل نحو خارج القرية والليل يلفهما بعباءته والهواء البارد يلسع وجهيهما.
كان عادل يحمل الحقيبة بيد وباليد الأخرى يدعم ذراعها كي لا تتعثر.
قال فجأة
لو تعبتي نقف شوية نرتاح.
لا أنا كويسة.
والولد
نايم لما بيكون مرهق بينام بسرعة.
مر الوقت في صمت حتى قال عادل وكأنه يحاول أن يفتح بابا للكلام
أنا عارف إن الجواز بالشكل ده صعب وخصوصا بعد مۏت جوزك بوقت قليل بس أعدك إنك مش هتندمي.
لم ترد. كانت تحاول فقط أن تبقي قدميها ثابتتين وأن تمنع دموعها من الانهمار
وصلت أخيرا إلى بيت عادل. كان بيتا صغيرا جدرانه مبنية من الطوب وسقفه من الخشب القديم لكنه نظيف بشكل لافت. أمام الباب شجرة ياسمين تتسلق الجدار وزهرها يفوح بعطر خفيف.
فتح عادل الباب الخشبي وقال بلطف
اتفضلي ده بيتك قبل ما يكون بيتي.
دخلت ليلى بخطوات مترددة عينها تجول في المكان. غرفة صغيرة مفروشة بحصير نظيف وسجادة صلاة في الركن ومطبخ بسيط في الداخل وغرفة أخرى صغيرة للباس والنوم.
لم يكن هناك ما يدل على ثراء على العكس بدا البيت كبيت أي عامل بسيط في القرية.
نام الطفل على الفراش الذي أعده عادل بعناية بينما جلست ليلى على حافة الفراش الآخر يداها متشابكتان في حجرها.
قال عادل وهو يقف في منتصف الغرفة
بصي يا ليلى أنا مش هضغط عليكي اعتبري نفسك ضيفة عندي لحد ما قلبك يهدى. الجواز مش بس ورقة الجواز مودة ورحمة ولما تبقي جاهزة نكمل حياتنا زي أي زوجين.
نظرت إليه بدهشة لم تستطع إخفاءها.
يعني مش هتفرض عليا حاجة
ابتسم ابتسامة خفيفة
لا مش هفرض غير الاحترام.
شعرت لأول مرة منذ شهور أن هناك من يراعي ضعفها دون أن يستغله. أومأت برأسها بصمت.
قال
طيب أنا هنام في الغرفة التانية كام ليلة لحد ما نتعود على الوضع الجديد. لو احتجتي أي حاجة خبطي على الباب.
ثم أضاف
وبكرة الصبح نبتدي من جديد.
مرت الأيام الأولى ببطء. كان عادل يخرج قبل الفجر ويعود قرب المغرب. لا يحدثها كثيرا ولا يثير أسئلة لكنه لا يقصر في شيء. يأتي أحيانا بخضراوات طازجة وأحيانا بحلوى صغيرة يحبها الأطفال ويضعها بجانب وسادة ياسر الذي بدأ يتعلق به دون أن يشعر.
ذات مساء سمعت طرقا خفيفا على الباب. فتحت فوجدت امرأة كبيرة في السن ملامحها طيبة تحمل طبقا مغطى بقطعة قماش.
السلام عليكم يا بنتي أنا أم هاشم جارتكم.